على خطى ملوك متيجة

![]()
![]()
![]()
لم يعد الكثيرون في منطقة المتيجة يذكرونهم، وكأنهم اختفوا فجأة من الوجود بعد قرون من الحضور على الأرض وفي التاريخ.. بنو صالح، قبيلة المحاربين الأشداء، لم يتبق منها اليوم غير نتف من الوصف غير الدقيق لحياتهم وشمائلهم في الماضي السحيق.
يبدو البحث عن بني صالح اليوم ضربا من العبث، ذلك لأنه كالبحث عن الأشباح. ولكنهم كانوا هنا قبل نحو قرن من الزمان، شهد لهم المحتل الفرنسي بالوجود وبالبأس، واضطر إلى التصالح معهم واتقاء شرهم ليتفرغ إلى الزحف باتجاه الجنوب، إلى الجنوب من الأطلس البليدي، حيث التيتري والصحراء الكبرى. اعترف الكولون بما لقي من شدة مقاتلي بني صالح في المواجهات التي جمعته بهم في ربوع المتيجة، حيث كانوا ينتشرون، إلى درجة أن قوة المقاتل الواحد كانت تضاهي قوة ستة فرسان مجتمعين. وهو الأمر الذي أكبره الفرنسيون في بني صالج.
قيل إنهم أمازيغ جاؤوا من جبل شنوة واستقروا بالمتيجة، كان لهم وجود منذ العهد الروماني لا أحد على وجه الدقة يدري تحت أية تسمية كانوا يحيون، المؤكد أنهم حاربوا الرومان ووجدوهم قوما أولي بأس شديد، ثم اكتسبوا هذه التسمية العربية بعدما أسلموا وأصبحت العربية لغتهم. وقد وجد الأمير عبد القادر في بني صالح السند القوي فانضموا إليه وشكلوا وحدات قوية في جيشه بمنطقة المتيجة وقاتلوا إلى جانبه في العديد من المعارك.
المحاربون الأشداء..
لكن قوة العدد والعدة التي تسلحت بها الجيوش الفرنسية كانت العامل الحاسم، فاندحر بنو صالح باتجاه المناطق الجنوبية حيث جبال وغابات الأطلس البليدي. واضطر الفرنسيون إلى تسوية العلاقة مع بني صالح بمنحهم ملكية المناطق الجبلية كلها، فأصبح نفوذهم يمتد من تابلاط إلى جبال موزاية غربا مرورا بالشريعة وما جاورها. وأصبحت هذه المناطق تعرف بأراضي بني صالح. والأكثر من ذلك، فإن بني صالح استطاعوا أن يفرضوا على الفرنسيين عدم التدخل في شؤونهم ليحققوا ما يشبه الحكم الذاتي في تلك الأرض التي كانت من المناطق القليلة في الجزائر التي امتنعت فيها السلطات الاستعمارية عن القيام بحملات التنصير احتراما لأهلها المتمسكين بإسلامهم وحرصا على عدم استثارة غضبهم.
ولاستمالتهم والإبقاء على جذوة الثورة خامدة عرض عليهم المشاركة في الحياة السياسية، وأصبح لهم نائب يتحدث باسمهم وأعفوا من الضرائب، بل الأكثر من ذلك أنهم خصوا بنصيبهم من الجباية التي كانت تؤخذ من المناطق الأخرى. وشيئا فشيئا ألف بنو صالح حياة الجبال والغابات التي تحولت إلى موطنهم الجديد بعد أن صودرت كل أراضيهم الخصبة في المتيجة.
وتتفرع عن قبيلة بني صالح الكبرى فروع كثيرة أشهرها بني ميصرة والخدادوة ومرموشة وكراش وغلاي وغيرها، وهي أسماء لتجمعات سكانية صغيرة بمنطقة الشريعة أصبحت الآن مهجورة بعد أن كانت عامرة إلى وقت قريب قبل التسعينيات، لم يتبق منها اليوم سوى الأسماء.
لقد أصبحت لبني صالح على امتداد جبال الأطلس البليدي حياة أخرى، حيث استطاعوا أن يتكيفوا مع البيئة الجديدة شيئا فشيئا، اضطرتهم ظروف الحياة هناك إلى إيجاد أنماط خاصة من المعيشة والمسكن واللباس والعادات والتقاليد وتعزيز روح التضامن والتعاون فيما بينهم لمواجهة المعضلات والتحديات التي كانت تفرضها عليهم تلك الحياة الجديدة.
شيء قليل من تلك العادات والطقوس القديمة التي أوجدها بنو صالح في حياتهم الاجتماعية لا يزال قائما إلى اليوم، لكن الكثير من الإرث قد ضاع، عندما تفرقت أسر القبيلة ونزحت إلى الشمال باتجاه مدينة البليدة، حيث حياة التمدن وفرص العيش المتاحة. وقد بدأت حركة النزوح تتكثف بعيد الاستقلال مباشرة. وكان من نتائج ذلك أن هجرت تلك المناطق التي كانت تعج بالحياة والحركة، ولم يبق فيها سوى القليل من السكان. أما أكبر حركة نزوح والتي أدت إلى إخلاء مناطق بني صالح بالكامل فكانت تلك التي حدثت في التسعينيات عندما تحوّلت المن














