شهدت الجزائر على عهد الحاج الباشاغا محمد المقراني انعكاسات خطيرة بانهيار الحكم العسكري عام 1870 الذي اعتمد إلى حد كبير على المكاتب العربية التي حاولت تقريب قضايا الأهالي المسلمين إلى الإدارة الإستعمارية في نوع من التحدي للكولون المعمرين الذين سخطوا على هذه السياسية لأنها لا تخدم مصالحهم كاملة بل تحافظ على مصالح الأهالي ولو في جزء يسيرمنها.
وعلى هذا الأساس جاءت الإدارة المدنية ,التي أوكل لها المستوطنون مهمة تحويل الجزائر إلى وطن للمعمرين الإستيلاء على أملاكهم و طردهم إلى مناطق لا تصلح إلا للإقامة هذا إلى جانب الأوضاع المعيشية المزرية التي كان يعاني منهاالجزائريون, إلى جانب سلب الأراضي فإن المجاعات و الأوبئة والقحط أتت على ما تبقى من الشعب الجزائري الذي أنهكته الظروف السياسيةالمطبقة من طرف الإدارة الإستعمارية و الموجهة من طرف المستوطنين .
- أسباب مقاومة المقراني
كان لإنقلاب النظام الحاكم في فرنسا بعد سقوط الإمبراطورية وظهور الجمهورية و بعد انهزام نابليون الثالث أمام بسمارك ، أثره المباشر على الأوضاع داخل الجزائر و المتمثل في بروز قوة المستوطنين في التأ ثير على حكومة باريس و استئثارهم بالسلطة في الجزائر ,و هذا ما لم يرض به حاكم مجانةالباشاغامحمد المقراني.
كما أن محمد المقراني تلقى من جهة أخرى توبيخا عام 1864 من الجنرال ديفو بسبب تقديمه مساعدة لأحد أصدقاء أبيه و هو الشيخ بوعكاز بن عاشور ، و قد اعتبرها المقراني إهانة له و لعائلته و لسكان منطقته.
ومن الأسباب كذلك عدم ارتياح السلطات الإستعمارية لشخص المقراني حيث قامت بإنشاء بلدية مختلطة في برج بوعريج عينت على رأسها الضابط أوليفي و قد رأى الشيخ المقراني في هذا الإجراء تقليصا لنفوذه السياسي على المنطقة ، و بذلك أصبح في المجلس البلدي لمدينة برج بوعريرج عبارة عن عضو بسيط فقط لا رأي له و لاوزن لكلامه مع قوة المستوطنين في التمثيل النيابي.
و عمدت سلطات الإحتلال على تحطيم كبرياء الحاج محمد المقراني كزعيم سياسي لذلك بادر بتقديم إستقالته من منصبه كباشاغا لكنها رفضت في 09 مارس 1871 على أساس أنها غير مرفقة بتعهد منه يجعله مسؤولا عن كل الأحداث التي ستقع بعد ذلك في المناطق الواقعة تحت نفوذه ,و كانت هذه السياسة سببا آخر لاندلاع الثورة لأنها مساس بكرامته.
كذلك المجاعة الكبيرة التي تعرضت لها المنطقة و التي وقعت ما بين 1867 و 1868 وراح ضحيتها ألاف الجزائريين الذين حصدهم الموت أمام مرأى و مسمع من الإدارة الإستعمارية التي لم تسارع إلى نجدة الأهالي و هذا ما أكد للمقراني مرة أخرى أن هذه الإدارة لا يهمها في الجزائر إلا مصالحها.
ومن الأسباب الموضوعية كذلك السبب الديني حيث استغلت الكنيسة الأوضاع الإجتماعية المزرية و راحت تحمل الإنجيل في يد والمساعدات في اليد الأخرى مما اضطر الأهالي إلى ترك أبنائهم في يد الأباء البيض للتنصير خوفا عليهم من الموت.
كذلك من الأسباب السياسية الآنفة الذكر النظام المدني الذي خلف النظام العسكري و قد رأى فيه البشاغا المقراني تكريسا لهيمنة المعمرين الأوروبيين على الجزائريين و إذلالهم ، و هذا ما نص عليه مرسوم 24 أكتوبر 1870 الذي زاد من تأكد المقراني أنه سيزيد من معاناة الشعب الجزائري تحت ظل المستوطنين و اليهود المتجنسين بموجب قانون التجنيس الذي أصدره كريميو اليهودي ، و عليه قال قائد ثورة 1871 الشيخ محمد المقراني قولته الشهيرة التي جاء فيها ما يلي : " أريد أن أكون تحت السيف ليقطع رأسي ، و لا تحت رحمة يهودي أبدا " إثرها قرر أن يحتكم إلى السيف, مع هذه الإدارة المدنية الجديدة, يضاف إلى كل ذلك قضية اقتراض المقراني للديون من بنك الجزائر و من اليهودي مسرين بسبب المجاعة التي أهلكت سكان المنطقة و بالتالي كان القرض لمساعدة المحتاجين و المتضررين جراء هذه ا لمجاعة, غير أن ذهاب الحاكم العام العسكري ماك ماهون و استلام النظام المدني حكم الجزائر الذي رفضت إدارته الوفاء بتعهد المقراني مما أوقعه في أزمة مالية خانقة ، فاضطر من أجل سكان منطقته رهن أملاكه ليكون ضحية ابتزاز المستوطنين و اليهود.
وما عجل بإندلاع الثورة كذلك سياسة العنصرية التي طبقتها الإدارة الجديدة مع الجزائريين العاملين في مد الطرق بين الجزائر و قسنطينة حيث كانت تفرق بينهم و بين بعض العمال الأوربيين الذين كانت أجورهم عالية و لايقومون بالأعمال المتعبة في حين كانت أجور الجزائريين منخفضة جدا و هم الذين ينجزون الأعمال الشاقة علما أن هؤلاء العمال أوصلوا معاناتهم إلى الباشاغا المقراني لكونهم من مدينة البرج حتى يدفع عنهم المعاناة فقام بدفع نصيب من ماله الخاص للتخفيف من معاناتهم .
- مراحل مقاومة المقراني ودور الشيخ الحداد
1- مرحلة الإنطلاق :
بعد قيام سكان أولاد عيدون في الميلية بمحاصرة القوات الفرنسية في برج المدينة خلال شهر فيفري 1871، و كذلك الثورة التي اندلعت في سوق أهراس بزعامة محمد الكبلوتي و الصبايحية وأيضا مقاومة بن ناصر بن شهرة بالأغواط و الشريف بوشوشة كلها أحداث بارزة مهدت لبداية المرحلة الأولى لثورة المقراني في 16 مارس 1871 بعد أن كان قد قدم استقالته من منصبه كباشاغا للمرة الثانية في 27 فبراير 1871 , و ما ميز مرحلة الإنطلاقة الفعلية هو إعادته شارة الباشاغوية آنذاك إلى وزارة الحربية و المتمثلة في البرنوس الخاص بها ، و بداية عقد إجتماعاته مع رجالاته و كبار قادته و كان آخرها الإجتماع ذو الطابع الحربي الموسع المنعقد في 14 مارس 1871 , و في 16مارس بدأ زحفه على مدينة برج بوعريج على رأس قوة قدرت بسبعة ألاف فارس قصد محاصرتها و الضغط على الإدارة الإستعمارية الجديدة.
مرحلة شمولية الثورة و بروز الشيخ الحداد و الإخوان الرحمانيين
بعد محاصرة مدينة البرج انتشرت الثورة عبر العديد من مناطق الشرق الجزائري, حيث وصلت إلى مليانة و شرشال ,و إلى جيجل و القل, و كذلك الحضنة و المسيلة و بوسعادة, يضاف إليها كل من توقرت و بسكرة و باتنة و عين صالح.وفي هذه الظروف برزت بعض الخلافات بين زوايا منطقة القبائل ,منها زاوية الرحمانيين بصدوق و زاويتي شلاطة وإيلولة كما انتقلت هذه الخلافات كذلك حتى داخل أسرة المقراني التي كانت مقسمة إلى فرعين وهما فرع الباشاغا محمدالمقراني و مقرها مجانة و هو حليف لباشاغا شلاطة ابن علي الشريف ، و فرع الباشاغا محمدبن عبد السلام المقراني قائد عين تاغزوت شرق برج بوعريرج وهو صديق الشيخ عزيز قائد عموشة و عائلة الشيخ الحداد ، و أمام هذا الوضع الذي لا يخدم معركة المقراني التي أعلنها ضد الإدارة الإستعمارية عمد إلى استمالة الشيخ الحداد والإخوان الرحمانيين, وبواسطته بدأت تعبئة السكان للجهاد و قد لعب ابن الشيخ محمد امزيان بن علي الحداد دورا بارزا إلى جانب المقراني, و استطاع إقناع والده بإعلان الجهاد في 08 أفريل 1871 وهو ما سمح لبعض الأتباع من الإخوان الرحمانيين بالإنضمام إلى صفوف الثورة و أصبحوا قوتها الضاربة حيث خاضوا مع الباشاغا محمد المقراني عدة معارك انتصروا فيها على جيوش العدو الفرنسي ، وتعتبر معارك المقراني ، و أخوه بومرزاق و الشيخ عزيز بالإضافة إلى الإخوان الرحمانيين من المعارك التي أثبتت لقادة الإستعمار توسع رقعة هذه الثورة التي لم تكن محصورة في مجانة أو البرج بل وصلت إلى دلس وتيزي وزو و صور الغزلان و ذراع الميزان و البويرة و وصلت إلى مشارف العاصمة .
كان للإخوان الرحمانيين من أتباع الشيخ الحداد دور بارز في انتصارات ثورة المقراني خاصة بعد إعلان الشيخ الحداد الجهاد في 08 أفريل 1871 بزاوية صدوق و بإلحاح من إبنه عزيز مما أعطى للثورة شموليتها من خلال زيادة انضمام أعداد كبيرة من المجاهدين و انتشار الثورة غربا و شمالا و شرقا حيث حوصرت العديد من مراكز الجيش الإستعماري، في مناطق عدة و قد وصل عدد المجاهدين من أتباع الشيخ الحداد و الإخوان الرحمانين أكثر من مائة و عشرين ألف مجاهد ينتمون إلى مائتان و خمسون قبيلة ,في حين استطاع الباشاغا محمد المقراني تجنيد 25 ألف فارس من قبائل برج بوعريج و بوسعادة و صور الغزلان و بهذه القوة التي يعود الفضل فيها إلى الزاوية الرحمانية و أتباع الشيخ الحداد و ابنه عزيز ، حققت هذه الثورة انتصارات كبيرة أخافت الإدارة الإستعمارية وأصبحت تشكل خطرا على مصالحها و مستوطنيها في المنطقة.
مرحلة التراجع:
رغم قوة الشيخ الحداد وابنه عزيز في التعبئة العامة للجهاد و دور أتباعهم من الرحمانيين إلى جانب دور كل من الباشاغا محمد المقراني وأخيه بومرزاق إلا أن الخلافات عادت لتطفو على السطح وقد غذتها الإدارة الإستعمارية بطرقها الخاصة بعد استشهاد بطل المقاومة الباشاغا في محمد المقراني معركة وادي سوفلات قرب عين بسامفي 05 ماي 1871 على يد أحد الخونة التابعين للإدارة الفرنسية.
انحصرت هذه الخلافات بالدرجة الأولى على شخصيتين لهما وزنهما في هذه الثورة و هما عزيز ابن الشيخ الحداد و بومرزاق المقراني أخو محمد المقراني زعيم المقاومة الذي تسلم راية الجهاد بعداستشهاد أخيه, لكن الشيخ عزيز لم يرض بهذا الوضع الجديد فكان يبحث عن زعامة المقاومة خاصة و أنه من أبرز الشخصيات التي إلتف حولها الرحمانيون, لكن سيطرة بومرزاق على الأوضاع جعلت الشيخ عزيز يسارع إلى طلب الإستسلام ، ومن أسباب ضعف المقاومة و تراجعها,كذلك الخلاف الذي كان قائما بين الزوايا الرحمانية نفسها منها الخلاف بين زاوية صدوق بزعامة عزيز و زاوية الشريف بن الموهوب و زاوية شلاطة اللتين تعرضتا لهجومه ما بين 15 أفريل و 24 ماي ، مما أثر سلبا على مسار الثورة ,حيث بقى بومرزاق يواصل المقاومة من خلال معارك أنهكت قوته و لم يستطع مجاراة الحرب ضد جيوش العدو خاصة بعد استسلام الحداد الذي أثر على معنويات بومرزاق المقراني ، رغم محاولته رص الصفوف بين قادة الزاوية الرحمانية لكنه فشل في مسعاه ، وبعد انهزامه في معركة بالقرب من قلعة بني حماد في 08 أكتوبر 1871 اتجه إلى الصحراء لكن الفرنسيين اكتشفوا أمره في 20 جانفي 1872 بالقرب من الرويسات بورقلة وألقوا عليه القبض ، حيث نقل إلى معسكرالجنرال دولاكروا و منه أرسل إلى سجن كاليدونيا الجديدة
كتبها وفي الجزائر في 11:47 صباحاً ::
الشهيد محمد المقراني
ولد الشهيد محمد المقراني
الحديث عن الوالد متشعب لا أستطيع سرده عبر مقال ، لان معايشتي معه كلها مواقف مليئة بالأحداث و الذكريات، وليس هذا من باب ذكر محاسنه حتى لا يقال أنني امدحه، فمن منا لا يحب أباه؟ غير أنني عبر هذا المقال المتواضع، أفسح المجال للقارئ الكريم ومن زاوية كشف بعض الصور الخفية عن أديب جزائري في بيته ومعاملته لأسرته بهدف إزاحة الستار عن جوانب من حياة هذا الأب والأستاذ الفاضل.
تفتحت عيناي على نعم الوالدين أصلا وأخلاقا وإيمانا،أحمد الله على ذلك فهذا من أجلََ النعم.. وفي هذا المقام، وبما أن المقال عن الوالد – أطال الله عمره – وحيث أنه أتيحت لي الفرصة للمشاركة، رغم ثقل المسؤولية،فإنه من الواجب أن أكون أمينا وصادقا قدر الإمكان في نقل بعض الصور والشواهد (في شكل محطات متنوعة) رغم اعترافي المسبق للقارئ الكريم بأنني أقل الإخوة تعبيرا وكتابة .. فعذرا.
أول ما يسترعى ذكره، أن الوالد إنسان شغوف بالعلم، خصب الخيال، وهو دائما يؤمن بأن قيمة الحياة إن لم تكن مركز انطلاق إلي آفاق أرحب، فانه تخفق في دروبها رايات النضال والبطولة.
وأول ما غرس فينا من الأخلاق، هي الأخلاق النابعة من ديننا الحنيف ،فكان يعلمنا الثبات والصمود ويدفع الهمم والعزائم الي الأمام ، ويجند المواهب والطاقات لما هو أفضل، ويجعل لوجود الإنسان هدفا ولحياته معنى، ولكدحه غاية.
أنا جمال، أكبر الإخوة .. وبالتالي أكثرهم حظوة لكوني الأول.. ولا أقصد أنني وافر الحظ أكثر من إخوتي .. بل لأنني الابن البكر، حيث أن معايشتي مع الوالد أكثر من غيري، وهذا أمر طبيعي ..
يشدني إلي الوالد نبرات صوته الهادئ الفخم، فهي أصداء في الأذن والقلب معا، ولعباراته الفصيحة الجزلة وقع في النفس، لأنه فيما يقول ويكتب يصدر عن إيمان وفكر.ويستمد من ثقافة وتربية أصيلة وكان يدفعنا دوما – أنا وأخي – رغم صغر عمرنا إلي التعلم، ويحفزنا الى التحدث باللغة العربية الفصحى، فتراني كثيرا ما أطرح السؤال لأخي بصوت مسموع لجلب انتباه الوالد حتى يشكرنا ويبارك ذلك بشرائه لنا ما نرغب من الحلويات، وهو نوع من التشجيع جاء بثماره فيما بعد..
وكثيرا ما كانت تصرفاتنا هذه تلفت أنظار المارة الذين يبتسمون لنا، وأذكر أن بعضهم يقبلون علينا ويقبلوننا، ويشكرون الوالد على حسن تربيته لنا.
كان الوالد حريصا على تعليمنا مقابل أنه لا يبخل علينا بأي شيء رغم الحالة المادية الصعبة التي كنا نعيشها..فهو آنذاك أستاذ بإحدى الثانويات البعيدة عن موقع السكن،ذو دخل ضعيف، مقابل إعالته لأسرتين(أسرتنا وأسرة عمي) وكذا اهتمامه بمتطلبات والده (جدي) رحمة الله عليه من ناحية العناية الطبية.
كما أذكر أنني كنت كثير المرض من جراء التهاب اللوزتين، فكان يأخذني مرارا إلي الطبيب على كتفه والمطر يهطل بغزارة والطريق إلي الطبيب بعيدة، وهو يمسك باليد الأخرى وبصعوبة المظلة..وكم تكررت هذه الصورة معي ومع أخي، حتى أنني وبسذاجة الصغار وإشفاقا عليه، كنت أحاول أن أساعده على نفسي فلا أرتخي بثقلي على أكتافه ظنا مني أنني قد ساعدته بعض الشيء..لكن هيهات ..
كما أذكر الآلة الراقنة التي يكتب عليها الوالد، يضعها على مائدة صغيرة ويحافظ عليها محافظة كبيرة حتى انه لا يجرؤ أحدنا أن يقترب منها، وكانت فرحته بها أكثر من فرحته بسيارته الأولى‼ كيف لا وهو الشغوف إلي حد النخاع بكل ما له صلة بالعلم والتأليف .. ودون ذلك لا يرقى مكانة إلي قلبه.
و الأمر المدهش أن الوالد لم يتلق أي تدريب ولا تعليم من حيث استعمال هذه الآلة، لكنه صاحب إرادة قوية في كل المجالات..فكيف يستعصى عليه أمر هذه الآلة ؟ ، أنه تعلم ولوحده عملية الرقن بإصبع واحد فقط‼ لكن من ناحية السرعة ما يعادل رقن شخص ماهر وبطريقته العادية.
وقد صار بعد ذلك يكتب على الكمبيوتر.
وأذكر أن الوالدة – رحمة الله عليها – كانت السند له: آزرته في شؤون الحياة ومساعدته بفسح المجال وإتاحة الوقت له، ليتسنى للوالد الكتابة بحرية ودون إزعاج،فكانت لا تقطع عليه خلوته إلا لضرورة قصوى، فقبل أن يبدأ التأليف تسأله صباح كل يوم عما إذا كانت له رغبة معينة فيما تشتهيه نفسه لصنف من الأكل حتى تقوم بإعداده ، والشهادة لله أنه رجل جد متساهل لم أر مثله من الرجال في هذا الجانب، فلا يشترط عليها النوع المعين من الطعام، ولا يقتحم المطبخ – عالمها الخاص – لكي يعكر صفوها ويدس بأنفه في القدر كما يفعل بعضهم، ليملأ بعدها البيت عجيجا وصراخا في حالة ما إذا وجد ما لا تهواه بطنه.. أبدا لم يكن بذلك الرجل.. بل كانت الوالدة تتحايل عليه في كثير من الأحيان وتسعى جاهدة حتى يساعدها في التدبير عليها..
وكان يقدم لها المصروف اليومي، وفي السنوات الأخيرة قبل وفاتها كان يعطيها المصروف الشهري، فكانت تدبر وتدير أمور البيت لوحدها حتى تترك للوالد أكبر فسحة للعمل دون عناء التنقل لشراء الأغراض والمتطلبات اليومية التي نتولى القيام بها نحن الأبناء أو هي.
وكانت الوالدة تتفنن في الطهي، وتتجنب ما يضر بصحته كاستعمال الفلفل والدهون والمقليات،وأشهد للوالد بأنه شخص قوي الإرادة، فلا تقهره بطنه أبدا، فما يمنعه الطبيب، يحرمه على نفسه محافظة على صحته.
وأعود إلي الوالدة – طيب الله مثواها – التي كانت تحرص على تقديم قهوة المساء التي يحبها الوالد كثيرا ، ويغادر خلوته من أجلها، وهي من أجمل الأوقات عندنا ، لأن أبانا معنا،يملأ البيت حبورا ومرحا بحديثه الطيب..
تمتد بي الذاكرة إلي ابعد ما يمكن، فلم أر من والدي أية هوايات أو اهتمامات سوى الكتابة، حتى أنه عندما كان يأخذني للنزهة مع أخي طارق وكنا أطفالا صغارا( 4 و5 سنوات ) ، كنت ألاحظ عدم نسيانه دفتره الصغير والقلم الذي يلازمه دوما، فكان نعم الأنيس له، وكنت أتعجب من تأملاته واستغراقه في التفكير، وكأنه شارد الذهن.. وسرعان ما يتوقف برهة من الوقت لينكب على كناشه مخططا كتابات لا افهمها، وأدركت فيما بعد أن وحي الأفكار يلازمه في أي مكان، ومتعته الكبيرة هي التأليف، وكثيرا ما كنت أقلده بخر بشات أطبعها على قصاصات الأوراق الصغيرة لأريه إياها مقابل تشجيعاته .
والحديث عن الوحي (الإلهام) الذي يهبط على الوالد أمر تجدر الإشارة إليه، إذ أن هذا الأخير لا يرحمه حتى وهو على مائدة الطعام‼ فكثيرا ما كان يغادر المجلس لتدوين ما تجود به قريحته الأدبية في سرعة خاطفة، حتى لا ينسى ذلك، وبطبيعة الحال بات الأمر بالنسبة لأفراد الأسرة الصغيرة أمرا عاديا للغاية.
ليعود بعدها مبتسما منشرحا كمن كان متضايقا من قلة الأوكسجين ليجده ويملأ به رئتيه ..
أما إذا وصفت لكم مكتب الوالد فهو يحتل أكبر الغرف، مرتب من ناحية الأثاث والرفوف التي تعج بالكتب القيمة وفي شتى المجالات، وتحرص الوالدة - رحمة الله عليها - دوما على تنظيفه فهو خلوة الوالد، ومنزل إلهامه، ومحطة استقباله للضيوف الذين يتوافدون عليه يوميا..
ورغم ذلك، فان الفوضى كلها حطت رحالها على المكتب الكبير الذي يطالع عليه، ويبحث ويدون .. أوراق مبعثرة هنا وهناك.. كتب مفتوحة وأخرى مقلوبة على وجهها، أقلام وأوراق في كل مكان.. وكلما حاولت أنا أو غيري ترتيب ذلك، فإنني ألاحظ على محياه القبول الذي يشوبه كثير من التحفظ والامتناع..لكن لا يمانع ..يشكرني ويدعو لي بعد انتهائي من ترتيبي إياه، لكن سرعان ما تعود تلك الفوضى وكأن كل ما قمت به كان مجرد حلم ‼ حينها أيقنت أن الإبداع لا يولد بالضرورة وسط الجمال وأن الوالد لا يجد متعته إلا مع ما اعتاده في طريقة عمله ..
وكم أتفاعل معه وهو في شدة القلق يفتش عن ورقة أو كناش أو أي مستند آخر وسط تلك الكومة العارمة..وكثيرا ما أدرك بعد سؤالي لمساعدته أن القلم الذي انكب على التفتيش عليه لم يكن سوى فوق أذنه.
أنني أشبهه بذلك الصياد الماهر الذي يهوى مهنته لحد النخاع، وهو يدرك جليا أن صيد الأسماك لا يحلو له سوى وسط هيجان البحر و تلاطم الأمواج.
يبتعد كذلك الوالد عن مكتبه وقت استقباله للضيوف الأجانب فهو مضطر لذلك، فواجب الضيافة يدفعه لذلك أما.. إن كانوا من الأقارب فتراه بعد استقباله إياهم، كالطفل الذي سرعان ما يحن إلي أحضان أمه الدافئة! والعودة إلي مكتبه أمر بات لدى هؤلاء مألوفا..
كما أنه يبتعد عن المكتب عند الثامنة مساء وهو وقت بث الأخبار التي لا تفوته.
.
كم يفرح الوالد بإصداراته الجديدة فعندما يخرج إلي الوجود كتاب حديث له، يقيم مأدبة أكل فاخرة وعلى غير العادة للأسرة الصغيرة ففرحته كاستقباله للمولود الجديد، وكان يصرح للجميع أن لديه مولود جديد ،حتى أنني أذكر كثيرا ممن كانوا يزوروننا، يقول لهم الوالد مفاجئا إياهم׃
« ألا تهنئونني بالمولود الجديد » ؟ فيتعجبون لرجل في مثل سنه تشع الفرحة في عينيه معلنا دون خجل بهذا الخبر ..لكن سرعان ما تتبدد علامات الحيرة والاستفهام لتحل محلها الابتسامة و الضحكات العريضة عندما يكتشفون هذه الدعابة .
لا تتصور – عزيزي القارئ – مدى ولع الوالد بالعلم وكل ما له صلة بذلك وبما أنني الأكبر
- كما سبق الاشارة اليه - كنت أولهم لاجتياز امتحان شهادة الباكلوريا، ونجاحي فيه كانت من المحطات المفرحة في حياة الوالد، حتى أنه لم يناقش في أمر الهدية وكانت رحلتي الأولى خارج الوطن .
أما عن الهدية المادية التي يتلقاها بمناسبة أو غير مناسبة،و تفرحه أكثر من أي شيء فليست العطور ورابطات العنق وغيرها.. بل أثمن من هذا .. إنها الأقلام والدفاتر ورزمة الأوراق البيضاء فهي تبهجه للغاية، إذ أنه يقدر فائدتها الجمة.
يتصف الوالد (الأستاذ محمد الصالح الصديق) بالموضوعية في آرائه، والاعتدال في أفكاره والحماس الواعي في كتاباته والعمق في نظرته، فإن الروحانية المتشبع بها لها انعكاسات على أخلاقه.
فكما أنه يعتز بعروبته وجزائريته ،يعتز كذلك بانتمائه البربري ، غير أنه لا يحب المغالاة والتطرف ، ويمقت التعصب والجهوية جدا.
وفي هذا المضمار، يعجبني فيه حرصه على عدم التحدث بالأمازيغية عند وجود شخص ما، لا يفهم هذه اللغة، فهو دوما ينهانا عن ذلك ،إذ أن أخلاق المؤمن لا تسمح بذلك ، على سبيل المثال أذكر أننا كنا مدعوون إلي حفل زفاف بإحدى قرى منطقة القبائل، وقد طلب الجمع الغفير المستقبل للوالد، تقديم موعظة بالمناسبة ، فلم يمانع في ذلك رغم تعب السفر، وبما أنه رافقنا ضيف جاء من تونس، فلقد تحتم عليه أن يتحدث باللغتين العربية والأمازيغية مترجما لشخص واحد.
والي جانب مواقفه التي أستشف منها صدق تعبيره وحصافة رأيه وعمق تفكيره، وشعوره بالمسؤولية وتحمل الأمانة والإلمام بمشاكل الغير، فانه إنسان جد متواضع، ما يستوقفه شخص في الطريق أيا كان ليسأله أو لأي غرض آخر، إلا ويجد في الوالد الشخص المستمع،المساعد..وهذا ما طبعه فينا منذ الصغر
عندما كنت أدرس في الثانوية، كان الوالد أستاذا للأدب العربي، وحتى لا يشار إلينا (أنا وأخي) بأننا أبناء الأستاذ، ولدينا حظوة وامتياز عن بقية الطلبة، و...الخ، فكان إذا ركبنا معه السيارة باتجاه الثانوية، يحرص على أن ننزل قبل أن يدخل إلي موقف السيارات بالثانوية، ونكون مع غيرنا ضمن حشود الطلبة منتظرين دقات الجرس ،
وقد تفادى الوالد أن يكون أحدنا في القسم الذي يدرس به، حتى لا يقال انه ربما قد يساعدنا في الامتحانات أو يميزنا عن غيرنا، الخ من الاحتمالات..
ورغم هذا فقد تمنيت في قرار نفسي، أن أكون أحد تلامذته من كثرة حديث جل الطلبة الذين درسوا في فصله، وكما أنه عادة ما تكون بعض المواد غير مرغوبة لدى طلبة أقسام متخصصة، فمثلا القسم الأدبي غالبا ما تراهم غير معنيون بالمواد العلمية والفيزيائية ، والأقسام العلمية غير معنيون بمواد الفلسفة والتاريخ والأدب ..الخ ،لكن صدقوني أن قسم الوالد كان لا يتغيب عنه أحد، والسر في ذلك الأسلوب العلمي والمنهجي الجيد المستعمل، البعيد كل البعد عن النمط الكلاسيكي المـمل – مع احترامي لمن درست عليهم - طريقته مشوقة ، تتميز بالانطلاق من العموم للوصول إلي أدق الأمور الاستشهاد بالواقع الملموس وربطه بالماضي ، فسح المجال للطلبة لطرح ومناقشة الموضوع بكل حرية ، إضفاء جو من المتعة النفسية و المرح... فلم يكن درسه إلا وسيلة ينفذ بها إلي قلوب تلاميذه فيما يبسطه عليهم من قضايا تشغل بال كل مواطن، وكل ذلك في نطاق المفاهيم الأخلاقية والتربوية السليمة،وقد كانت الاستطرادات التي تتخلل درسه من آن إلي آخر ، هي المحاور التي يدور عليها الحوار بينه وبين تلاميذه في الشئون العامة ما بين سياسية واجتماعية وغيرها، مما كان له جليل الأثر فمن تخرج عليه من أبنائه الروحيين.
ولكنه في نفس الوقت شديد و صلب في المواقف الجادة التي لا يستهان بها وغير متساهل، وإذا غضب، سكن الجميع..
وفي موقف من المواقف ،قص علي أحدهم (صديق لي سبق وأن درس عند الوالد)، أن فلانا كان يبتسم في غير موضع، عندما كان الوالد الأستاذ مستطردا في شرحه للدرس، وقد تفطن له الوالد إذ مازال ذلك الطالب مسترسلا في فتح فاه بدون سبب .. فما قال له أستاذه سوى عبارة صغيرة وبنبرة مدوية وساخرة، لكنها ذات تأثير سرعان ما أذابته في مكانه ׃
" أنت ... لماذا تصر على أن تريني أسنانك ؟ ألا ترى أنني لم أطلب منك ذلك ‼ "
فما كان منه سوى طأطأة رأسه في خجل شديد، وكان ذلك درس له ولغيره ..
للوالد حظ وافر من حيث الأسفار داخل الوطن وخارجه بحكم عمله، فهو الحريص بدقة لكل التفاصيل المتعلقة بتنقله، بداية من الوثائق والترتيبات الإدارية، إلي غاية تفقده المسبق للأغراض التي ينقلها ..
وقد أتيح لي السفر مع الوالد الكريم إلي بلدين شقيقين وهما تونس و المملكة العربية السعودية.. الملاحظ أنه طوال السفر لا يشغل لسانه إلا بتلاوة القرآن الكريم... وأنا الآن أخطط هذه العبارات تبادر إلي ذهني ذلك الموقف ونحن على متن شركة الطيران السعودية، حين أخرج الوالد دفتره ليدون به ما جادت به قريحته الفياضة ونحن على ارتفاع شاهق،وفجأة، إذا بالمضيف السعودي وهو شاب أنيق ومهذب يقترب من الوالد وكأنه يريد بنظراته استراق ما كانت تخطه يمين الوالد،عندما التفت إليه بهدوء دون أن يسأله، سبقه المضيف بحياء وقال :
" أيها الشيخ الفاضل أنت تلبس نظارات جميلة " وأدرك الوالد حرج المضيف من سخافة السؤال فجاء رده لينا قائلا له:
« ولكن يا بني النظارات نضعها ولا نلبسها.. ›› ولا تتصوروا بعد ذلك الحوار العلمي الجميل الذي دار بينهما، وقد تخيلت ذلك المضيف تلميذا للوالد وقد ثني ركبتيه بقرب الأستاذ يسأله في شتى المجالات، أما الاستاذ الوالد، فقد أطوى دفتره الذي كان يرويه بعلمه لينتقل مباشرة الي عقل هذا الشاب النجيب.. للعلم أنه بقي (المضيف) مدة من الزمان يراسلنا، كلما حط الرحال بإحدى الدول.. ويكتب في أسفل الرسالة:
‹‹ سلامي للاستاذ الفاضل الذي يحسن وضع النظارات ›› .
أما عن صبره وقت المحن والشدائد، فلقد عهدته شامخا كشموخ الجبل رغم انكساره وتجرعه للآلام وانكساره في الداخل، كل ذلك لا يجعله سوى أكثر تماسكا وقوة ، فهو ذلك الرجل المؤمن بقضاء الله وبقدره والمستسلم لمشيئته، فلا يجزع ولا يتذمر، مما نراه في أيامنا هذه من بعضهم..
لقد فقد الكثير من أحبائه .. ومؤخرا أخويه، ثم زوجته (الوالدة رحمها الله) وقد توافد على بيتنا جموع غفيرة ، فكانوا يتقدمون اليه بالتعازي والبكاء، أما هو فكان يصبرهم ويخفف عنهم ويواسيهم، ويذكرهم بحب الله عز وجل للصابرين..
كانت هذه بعض المحطات المشرقة انتقيتها من حياة الوالد، جاءت مختلفة الألوان أختمها بهذا الموقف المضحك.
أذكر ونحن صغار (أنا وأخي طارق) وكان هذا الأخير شعلة من الذكاء ،معروف في الاسرة بايماءاته المضحكة ونكته الهزلية وتقليده للغير..
أخذنا الوالد مساء أحد الأيام للتنزه، وكان الجو ربيعا، وعندما وصلنا الي باب عزون بقلب العاصمة، نزل من الحافلة مجموعة من الشيوخ بلحاهم الكثة ، يرتدون العمائم والبرانيس البيضاء الناصعة، وفجأة التفت أبي الي أخي طارق موجها اليه السؤال التالي :
- لماذا ياترى أبى هؤلاء سوى ارتداء هذا النوع من اللباس التقليد
وبطبيعة الحال، كان الوالد يتوقع إجابة مفادها، لأنهم شيخ كبار أو علماء ، أو أئمة ..أو حتى لا أعرف لكنه بسرعة بديهية،وبتلقائيته المعهودة ، أجابه دون تفكير ولا تردد :
- ألا ترى يا أبي أنه تم إختتانهم حديثا ...
فانفجر الوالد بالضحك ولم يتمالك نفسه من القهقهة حتى دمعت عيناه، وبقيت هذه الطرفة من المواقف المضحكة التي لم ينساها الوالد أبدا .
وخلاصة القول أقول فيه :
هـو..
۩ في نشاطه شاب في مقتبل العمر، خفيف الظل، سريع الحركات، يهوى المشي على
الأقدام
۩ في حديثه رقة وهدوء، فلا يمل المستمع إليه ، بل يتركك منشدا ومنجذبا إلي كلامه
۩ في ذكائه : حاد البصيرة، مقـنع بكافة الحجج
۩ في صبره : حكمة ورزانة وهـدوء
۩ صديق الأطفال لأنه يعلم أنه أحباب الله
أنه والدي الاستاذ ..
﴿ محمد الصالح الصديق ﴾
بقلم : ابنه الأكبر / جمال أيت صديق
إ
الاسم: وفي الجزائر
